السيد محمد تقي المدرسي

21

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

وكانت هذه العلاقة محور الخلاف الرئيسي بين مختلف المذاهب الإسلامية ؛ فبين من يلغي أساساً دور العقل‌كالظاهرية والصوفية ، وبين من يعطيه دوراً محدوداً مثل الأشاعرة ، وبين من يفسح المجال له كاملًا كما فعل المعتزلة . بينما نعتقد أن أئمة أهل البيت‌عليهم السلام عرَّفوا العقل بأنه النور الإلهي الذي أودعه اللَّه القلب ، وميّزوه تماماً عن الأهواءوالوساوس والظنون ، ثم أعطوه دوراً كبيراً في معرفة الحقائق الشرعية وغيرها . بحوث في الكتاب والسنة إن على الفقيه الذي هذّب نفسه وزكّاها أن يستثير عقله حتى يستخرج دفائنه ( وبالسبل التي ذكّر بها أئمةالهدىعليهم السلام ) ، وأن يستنطق كتاب اللَّه ويتلوه حق تلاوته ويتدبر في آياته ، وأن يجتهد في دراية الأحاديث ، وفهم‌أبعادها ومعاريضها ومعرفة بعضها ببعض . كل ذلك من أجل أن يبلغ أصول العلم ، وضياء الأمر ، ونور الحِكَم الإلهية ، وروح التعاليم وقيمها . . فإذا ورد عليه فرع سهل عليه إرجاعه إلى أصله ، وإذا اختلفت عليه النصوص أرجع متشابههاإلى محكمها ، لأنه يصبح - بفضل اللَّه وبما وفقه من استثارة العقل والتدبر في الكتاب والسنةمن الراسخين في العلم‌الذين يعرفون أحكام اللَّه الثابتة ، كما يستنبطون حِكَم الحوادث الواقعة ويعلمون أيضا تأويل آيات اللَّه المتشابهة . وإذا بلغ الفقيه هذا المستوى ، ثم اشتبه عليه حكم ، يرجع إلى الأصول العملية التي تحدد حكم الشاك . . من البراءة أوالإشتغال أو التخيير أو القرعة في بعض الأمور ، ولا ينبغي للفقيه ان يبادر بتطبيق الأصول التي وضعت لحالة الشك ، إلا بعد استفراغ الجهد في التعرف على أحكام اللَّه الأولية بالعقل والكتاب والسنة . ويبدو أن البعض يستعجل في ذلك ، ولايبحث عن الأحكام اليقينية التي تطمئن إليها النفس بالقدر الكافي ، ويتسرع في القول بأنه لا يحصل عنده يقين ، حتى أن‌بعضهم يصرف الوقت في تحديد حكم الشاك ، والتنقيب عن الأدلة القياسية في التعرف على الأصول أكثر مما يصرفه فيالتدبر في القرآن ودراية السنة .